ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تجليات المكان فى السرد
مقدمات نظرية
د/ محمد محمود أبوعلي
مدرس النقد والبلاغة آداب دمنهور
رئيس المؤتمر
لا ينكر أحد أن المكان من الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها الهيكل البنائي للنص الروائي، فالرواية في أساسها فن من الفنون الزمكانية ليس لأن الزمان والمكان متلازمان متضافران فيها فقط ، وإنما لأن المكان مكون أساس من مكوناتها، فلولا الحركة في المكان ما كان للعمل الأدبي أن يوجد، فالزمان والمكان عنصران حاكمان في العمل الأدبي عامة والسرد على وجه الخصوص، فهما كشقي المقص لا وجود لأحدهما منفردًا حيث "يمثل المكان والزمان في الرواية وحدة عضوية واحدة لا تنفصم ، ثم تأتي الحركة بعد ذلك لتكمل هذه الوحدة، وتضفي عليها الحياة، فالمكان بدون حركة لا يصبح مكان وإنما قطعة أرض فضاء، فالذي يعطي المكان حياته هي الحركة ، والمكان هو ذلك البقعة من الأرض أو المبنى الذي يُمكّن للإنسان على الأرض ، أي أن يجعله مكينا قادرًا على الحياة على الأرض"([1]).
إن الشخصية دون مكان هي شخصيته في الفراغ ، ولذلك غدا المكان هوية لكل شخصية مهما صغر حجمها على صعيدي الزمان والحدث، ولا فرق في ذلك بين شخصيات رئيسة، وأخرى ثانوية، سوى أن الأولى ترتبط بالمكان أكثر من ارتباط الأخرى به، من خلال وجودها في قلب الأحداث، وغياب الأخرى عنها ([2]).
وهذا يعني أن الارتباط بين الزمان والمكان أمر جوهري، وتأكيدًا لذلك فإننا في بعض الأحيان نعتقد أننا نعرف أنفسنا من خلال نسبنا إلى حقبة زمنية معينة في حين أن كل ما نعرفه هو تتابع في أماكن مختلفة لاستقرارنا فيها، إننا نتذكر الزمن بالمكان وليس المكان بالزمن، إن ذكرياتنا وكل ما مر بنا إنما هي ذكريات مكانية في الأغلب للزمن فيها بعد غير منكور وغير مساوٍ للمكان .
وعليه يمكن القول إن الزمان والمكان يأخذان بعدًا دراميًا في صنع الفضاء الإبداعي ويكونان دورًا – أساسيًا ، ويصبحان رمزًا إنسانيًا له دلالاته الجمالية في العمل الأدبي، ومن ثم فالأعمال الإبداعية لا تكتسب البعد الإنساني إلا من خلال تشابك عناصر التجربة في بعدها الزمكاني .
ولا ينكر أحد هذا الحراك الجدلي بين الزمان والمكان ، وإن كان المكان له تجليه وحضوره في كل عناصر العمل الروائي فالمكان " ليس عنصرًا زائدًا في الرواية، فهو يتخذ أشكالاً ويتضمن معاني عديدة، بل إنه قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله "([3]).
وهذا يعني أن المكان في الرواية عنصر شديد الأهمية كمكون للفضاء الروائي لأن "الأمكنة بالإضافة إلى اختلافها من حيث طابعها، ونوعية الأشياء التي توجد فيها تخضع في تشكلاتها أيضًا إلى مقياس آخر مرتبط بالاتساع والضيق أو الانفتاح والانغلاق .
إن كثرة الأمكان تقدم مادة أساسية للروائي لصياغة عالمه الحكائي ، حتى إن هندسة المكان تسهم أحيانًا في تقريب العلاقات بين الأبطال ، أو حلق التباعد بينهم "([4]).
المكان بطلا
ولهذه الأهمية ينفرد المكان في العمل الأدبي بالبطولة ومن ذلك روايات علاء الأسواني، وصنع الله إبراهيم وغيرهما ممن لا نجد المكان – معهم – مجرد انتشار للأحداث، ولحركات الشخوص، بل بوصفه بطلاً من الأبطال، ومحورًا محركًا للشخوص والأحداث فلم يعد المكان مع الروائيين أحجارًا أو ترابا وكومة غبار .
"لقد أصبح الكائن الذي نألفه ، نحبه، ندافع عنه، نشعر بالأسى لفقده"([5]).
إن ظروف المجتمع الجدية لا تسمح للأديب بأن يقف مكتوف اليدين معصوب العينين أمام الأحداث التي تمر بالبلاد من حوله، وإن عليه أن يشارك في تنمية الوعي لدى الطبقات القارئة أو يسهم في حل مشكلاتها… لقد أصبح مطالبًا لتحويل أدبه إلى قوة فعاله تتأثر بحياة الشعب فتؤثر فيه "([6]).
وذلك لأن النص الروائي يمثل بنية دلالية تمتاح مادتها من البنيات الثقافية الحضارية للبيئة التي أنتجتها .
ومن هنا تتمايز الروايات من مكان لآخر، ولو أن النص الروائي تزامن مع البني الحضارية، والواقع المعيش فإنه سيمثل نموذج التفاعل الذي يعكس قدرًا كبيرًا من التميز ([7])
أقول ذلك لأن لمطروح بنيات ثقافية حضارية خاصة لا توجد عند غيرها تتمثل في عدة أمور منها :
1- سكان مطروح الذين ينقسمون إلى مسلمين ومسيحيين .
2- بيئة مطروح الجميلة التي اختصها الله سبحانه وتعالى بها والبيئة تشمل المكان من ناحية العمران والجغرافيا ، والبيئة هنا تتجلى فى البيئة الصحراوية التى تغرس في أبنائها خصائص معينة وأخلاقيات متنوعة ، والبيئة المطلة على البحر بما تتركه فى الفنان خاصة والإنسان عامة من أثر السحر ، وبيئة الحضر ، والبيئة التجارية بما تحمله من عادات وتقاليد وثقافات متنوعة .
3- لهجة السكان الأصليين المختلطة بلهجات متعددة وافدة إليها مع المتنقلين من ليبيا وغيرها .
4- خصوصية بعض العادات المسيطرة على السكان ومن ثم، فلا أعتقد أن أديبا يكتب رواية في مطروح إلا ويكون كل ما سبق خلفية شفافة لعمله الروائي ، وهذا ما سنتبين صحته من عدمه مع فعاليات المؤتمر
ولأن للمكان تجليه وحضوره في كل عناصر العمل الروائي فهناك علاقة بين المكان وتشكيل الشخصية الروائية؛ حيث تتحدد العلاقة بين الشخوص والمكان الروائي على أساس من المعايشة الصادقة أو الزائفة بين شخوص العمل والأمكنة المعاشة .
ومن ثم، فالمكان لا يقصد به – ونحن نتكلم عن تجليات المكان الناحية الجغرافية أو البيئة فحسب، وهذا ليس بالقليل كما سيجيء، بل يقصد به الأبعاد الاجتماعية والثقافية والتاريخية والنفسية والفنية لمجتمع ما ، فالمكان لا يعني الشارع أو البيت أو القرية ، ولا يعني الأوصاف الميتة المنثورة ، وإنما يتسع فيشمل الرقعة ومحتواها الجغرافي والتاريخي والبيئي والطبيعي، ومن هنا يتحول إلى ملامح ، وإلى شخصية نحس بوجودها في القصة ، وبضغطها على سير الأحداث، وتشكيل النتائج "([8]) .
وهذا يعني من وجهة نظري أن المكان يتعدى دوره الجغرافي المحدود بوصفه حقيقة جغرافية وكونية حاوية للأشياء ، هذه البيئة الحاوية، أو قل الوعاء الذي يعمل داخله باقي عناصر العمل الروائي لها أثر عظيم في كل هذه العناصر حيث يُسهم المكان / البيئة في رسم طبائع وملامح العلاقة بين الشخوص والمكان ، بل يسهم في تشكيل طبائع الشخوص نفسها .
إن المكان هو الوعاء الذي يحتوي الحدث الروائي "ففي المكان تولد الشخوص وتتحرك نحو النمو الروائي، وتتدافع الأحداث نحو التعقيد والذروة، وبحسبك أن تتصور أشخاصًا يولدون في اللامكان ، يتحركون في فراغ، وبحسبك كذلك أن تتصور أحداثا تتم فضلا عن أن تتشابك وتتنامى في اللا شيء ، ثم عليك أن تحكم بعد تصور هذا ما يمثله المكان من أهمية "([9]).
قد يهيمن المكان في بعض الأحيان على كل عناصر الرواية لاعبا دور البطولة ، فنجد الروائي في مثل هذه الحالة مستغرقا في وصف المكان وجمالياته كى يؤكد على واقعيته ناقلاً الأمر من على الورق إلى عالم الواقع، كما كان يفعل طه حسين في نصوصه الروائية وعلاء الأسواني في جل رواياته .
ومن ثم نجد المكان مع كبار الروائيين عنصرًا مهيمنًا على باقي عناصر الرواية .
وهذا لا يعني أن الروائي مجرد كاميرا تجول في أنحاء المكان مجردًا النص من الحيوية أو معتمدًا على الواقعية الصرفة، إنه يصور المكان من خياله وتصوراته "فالمكان في الرواية "هو المكان اللفظي المتخيل ، أي المكان الذي صنعته اللغة انصياعًا لأغراض التخيل الروائي وحاجاته"([10]).
وهذا يعني أن النص الروائي "يخلق عن طريق الكلمات مكانا خياليا له مقوماته الخاصة وأبعاده المتميزة "([11]).
وعليه فالمكان أشبه مع الروائيين – بالخلفية الرقيقة الشفافة للأحداث ، ومن ذلك تكتسب الأمكنة عمقها وتأثيرها في الأعمال الروائية "إن الكاتب عند يصف لا يصف واقعًا مجردًا، ولكنه واقع مشكل تشكيلاً فنيًا، إن الوصف في الرواية هو وصف لوحة أكثر منه وصف واقعي موضوعي"([12]).
لقد قلنا إننا لا نقصر المكان في الرواية على البيئة فحسب وحتى لو فعلنا فالبيئة هنا تعمل عمل السحر في شخوص الرواية وتوجهاتهم ولغتهم وأنماط التصرف والسلوك التي يقومون بها، وهذا الكلام أمر غير منكور ، ولا هو بجديد فقد تناوله كثير من أعلامنا القدماء والمحدثين ورأوا أن الفنان إنسانٌ لابد أن يظهر في شعره – بقصد أو بغير قصد – أثر البيئة التي عاشها، ومن ثم نجد طه حسين يكابر – وهو محقٌ في ذلك - بأثر هذه البيئة، يقول : »لأول مرة تعلمنا أن الأدب مرآة لحياة العصر الذي ينتج فيه لأنه إما أن يكون صدى من أصدائها، وإما أن يكون دافعاً من دوافعها، فهو متصل بها على كل حال، ولا سبيل إلى درسه وفقهه إلا إذا درست الحياة التي سبقته فأثرت في إنشائه والتي عاصرته فتأثرت به، وأثرت فيه، والتي جاءت في أثر عصره فتلقت نتائجه وتأثر بها. فللأدب مظهران إذن: مظهره الفردي لأنه لا يستطيع أن يبرأ من الصلة بينه وبين الأديب الذي أنتجه ، ومظهره الاجتماعي لأن هذا الأديب نفسه ليس إلا فرداً من جماعة، فحياته لا تتصور ولا تفهم ولا تحقق إلا على أنه متأثر بالجماعة التي يعيش فيها، هو في نفسه ظاهرة اجتماعية فلا يمكن أن يكون أدبه إلا ظاهرة اجتماعية«([13]).
»فالصحاري والمراعي تغرس في أبنائها خصائص معينة وأخلاقيات مثل الشجاعة والإقدام ، والفخر العنيد للرجل الحر، واليقظة والحيطة ، والشعور بالانتماء ، وقوة الملاحظة الحادة التي أوجبتها رتابة البيئة عديمة الملامح«([14]).
وكذلك فإن كثيراً من صفات العرب المرتبطة بالفروسية كان نتيجة البيئة التي فرضت صفات حميدة كالكرم، والنجدة، وإغاثة، الجار وكل ما له علاقة بالبطولة والفروسية »ولم يكن هذا الاتجاه البطولي إلا نتيجة الواقع الحتمي الذي وجد الشاعر نفسه فيه … فالبطولة العربية شيء نابع من صميم البيئة العربية الجاهلية، ومن استعداد الأفراد أنفسهم … فالبيئة مع الاستعداد الشخصي هما العنصران الأساسيان المكونان للبطل«([15])، حتى اتجاه الصعلكة وما يرتبط بها من صفات السلب والنهب والسرقة والإغارة كان نتيجة البيئة التى دفعت كثيرين إلى هذه الصفات .
وبذلك كان للبيئة أثرها على الإنسان وعلى الشاعر وشعره(**). وعلى الروائى ، ومن دلائل صحة ذلك خبر علي بن الجهم مع الخليفة الذى يؤكد على أثر البيئة في حياة الشعراء، وطرق التصرف والسلوك عندهم، فقد قدم على بن الجهم على الخليفة المتوكل العباسي فأنشده منها :
أَنْتَ كَالكَلْبِ فِي الحفَاظِ عَلَى الوُدِّ وَكَالتَيْسِ فِي فَرْع الحُرُوبِ
أَنْتَ كَالدَّلْوِ، لاَ عَدِمْنَاكَ دَلْــــوًا مِـنْ كِبَارِ الدِّلاَ كَثِيرُ الذَّنُوبِ
مثل ذلك المدح لا يليق بخليفة، ولكن الشاعر شبه بما رأى من نماذج الوفاء والكرم والشجاعة في البادية، فهو ابن بيئته، وقد فطن الخليفة إلى ذلك فأمر له بعيشة هانية يتنعم فيه بنسيم الحاضرة، وطعامها الطيب، وزهور بساتينها، وأقام على هذا الحال ستة أشهر ثم طلبه الخليفة للإنشاد فقال قصيدته :
عُيُونُ المَهَا بَيْنَ الرُّصَافَةِ وَالجِسْرِ
جَلَبْنَ الهَوَى مِنْ حَيْثُ أَدْرِي وَلاَ أَدْرِى
يتضح من ذلك أثر المكان / البيئة فى شخصية الشاعر وشعره ، وهذا الأمر لا يقتصر على الشعر فقط وأنما يتصل أيضا بالسرد.
إن العمل الروائي رصد لبعض المواقف الإنسانية من خلال تكتيف نقاط المعايشة بين الشخوص والأمكنة، ومن ثم أصبح على الكاتب الروائي أن يعمق هذه العلاقة على المستوى الفنى ، وذلك بما تحمله الشخوص من تجسيد لبيئاتها المكانية، وما تحويه من عناصر، ولا يعني هذا جعل الشخوص في العمل الروائي تتخطى الأدوار المرسومة لها بعناية لتصبح في نهاية المطاف مرايا عاكسة لواقعها البيئي أو الجغرافي أو الإقليمي متجاهلة دورها الفني الذي أراده لها الكاتب"([16]).
وظيفة المكان في الرواية
تختلف وظيفة المكان في الرواية حسب نوعها فنجد المكان في الرواية التقليدية مجرد خلفية تتحرك أمامها الشخصيات ، ولا يلقى المكان اهتمامًا أو عناية من الروائي فهو مجرد مكان بمعناه اللغوي الصرف أو الهندسي.
أما المكان مع الرومانتيكية فهو المعبر – كغيره من مفردات الرومانسية – عن نفسية الشخصيات والناقل للأفكار ويظهر الارتباط والتعاطف بين الشخصيات والأماكن ديدن الرومانسية في تعاطفهم مع كل مفردات الحياة .
فيبدو المكان معهم كما لو كان خزانا حقيقيا للأفكار والمشاعر .. حيث تنشأ بين الإنسان والمكان علاقة متبادلة يؤثر فيها كل طرف على الآخر "([17]).
وفي كلتا الحالتين – التقليدية والرومانسية - لا يلعب المكان دور البطولة حيث لم يسهم في بناء الرواية ، وحين يسهم المكان في فعل ذلك – كما سبق واستشهدنا فإن المكان يتسع ليشمل العلاقات بين الأمكنة والشخصيات والحوادث ، ويحل فوقها كلها ليصبح نوعًا من الإيقاع المنظم لها "([18]).
إن الوضع المكاني في الرواية يمكنه أن يصبح محددًا أساسيًا للمادة الحكائية، ولتلاحق الأحداث والحوافز، أي إنه سيتحول في النهاية إلى مكون روائي جوهري"([19])
وهنا يصبح عنصرًا مهيمنا في تطور الرواية وبنائها وكذلك الشخصيات التي تتفاعل معه .
وفي هذه الحالة "يمكننا النظر إلى المكان بوصفه شبكة من العلاقات والرؤى ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائي ، فالمكان يكون منظما بنفس الدقة التي نظمت فيها العناصر الأخرى في الرواية، لذلك فهو يؤثر فى بعضها، ويقوي من نفوذها ، كما يعبر عن مقاصد المؤلف "([20]).
أما الفضاء الروائي فأكثر شمولاً واتساعًا من المكان "فهو أمكنة الرواية كلها إضافة إلا علاقاتها بالحوادث ومنظورات الشخصيات"([21]). وهو ينشأ من خلال وجهات نظر متعددة لأنه يعاش على عدة مسويات، من طرف الراوي بوصفه كائنا مشخصا وتخيلييا – أساسًا – ومن خلال اللغة ، ثم من طرف الشخصيات الأخرى التي يحتويها المكان ، وفي المقام الأخير من طرف القارئ الذي يدرج بدوره وجهة نظر غاية في الدقة "([22]).
ومن ثم يصبح المكان ليس مجرد مكان لوقوع الأحداث فحسب وإنما فضاء يتسع لبنية الراوية ويؤثر فيها .
إن المكان الروائي لا يتشكل إلا باختراق الأبطال له، وليس هناك أي مكان محدد مسبقًا، وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال ومن المميزات التي تخصهم ([23]).
ولذلك ميز أحد النقاد بين ثلاثة أنواع من المكان بحسب علاقة الرواية به وهي :
1- المكان المجازي : وهو الذي نجده في رواية الأحداث وهو محض ساحة لوقوع الأحداث لا يتجاوز دوره التوضيح ولا يعبر عن تفاعل الشخصيات والحوادث .
2- المكان الهندسي: وهو الذي تصوره الرواية بدقة محايدة ، تنقل أبعاده البصرية ، فتعيش مسافاته ، وتنقل جزئياته ، من غير أن تعيش فيه .
3- المكان بوصفه تجربة تحمل معاناة الشخصيات وأفكارها ورؤيتها للمكان وتثير خيال المتلقي فيستحضره بوصفه مكانًا خاصًا متميزًا ([24]).
ومن ثم فالروائي المبدع الخلاق هو الذي يصل إلى النوع الثالث المكان بوصفه تجربة تحمل معاناة الشخصيات ، المكان بدوره بطلا عنصرا مهيمنا لا الذي يتوقف عند المكان بمعناه الهندسي و"إذا نجح الروائي في هذا البناء منح المكان الحقيقي ، والمكان المبتدع خصوصية الخلق الفني "([25]).
المكان ولغة العمل الروائي :
إن اللغة هي مادة الأديب، والمكان هو الأثر الفعال في خياله وفي تشكيله لعمله الروائي ، ومن ثم فهناك رابطة تجمع بين لغة الحوار والمكان الروائي ([26])، وذلك لأن "اللغة إذا كانت زمانية في طبيعتها إلا أنها تحمل في الوقت نفسه دلالات مكانية حتى إننا لنستطيع أن نعد تشكيل الأصوات الزمانية تشكيلا في الوقت نفسه لحيز مكاني.. فاللغة في هذا المستوى تشكيل صوتي له دلالة مكانية ، والشاعر حين يستخدم اللغة إنما يقوم بعملية تشكيل مزدوجة في وقت واحد ، إنه يشكل من الزمان والمكان معًا ، بيئة ذات دلالة "([27]).
إن الرواية كما سبق وقلنا فن زمكانى يتضفر فيه الزمان مع المكان ، ومن ثم فنحن نقيس أثر ذلك فى الحوار وبنية العمل الروائى ، ولا يعنى هذا أننا نلزم الأديب بلغة البيئة المكانية التى يتحدث عنها ونجعله يستنطق شخوصه بلهجتها وتعبيراتها، وذلك لأن للكاتب حرية في اختيار الحوار والأسلوب أو قل حرية مقيدة بالمكان الهندسي الذي وقعت فيه أحداث روايته فالأجمل أن تكون هناك معايشة لهذا المكان بكل أبعاده ولهجاته وأحوال جغرافيته ومناخه حتى يصل إلى المكان بوصفه تجربة تحمل معاناة الشخصيات وأفكارها ورؤيتها للمكان .
وأخيرًا أزعم أن المكان في العمل الروائي ما هو إلا جزء من وعينا به يظل يحتفظ ببقية من انفعالاتنا وذكرياتنا بحيث يبقى أحد مصادر الجمال وإثارة الاهتمام في العمل الأدبي .
وعليه أزعم أن القاص الناجح هو الذي يصل إلى إعطاء بعد للمكان من النوع الثالث : المكان بوصفه تجربة تحمل معاناة للشخصيات ورؤيتها للمكان .
فإذا كان أدباء مطروح يكتبون رواياتهم مختارين مطروح مكانا لوقوع أحداث رواياتهم ، فلابد أن يظهر أثر المكان بكل أبعاده وبكل معانيه في أعمالهم وهذا ما سيقوم به الزميلان العزيزان د/محمد عبدالحميد خليفة ، د/ محمود فنديل ، وذلك من خلال مناقشتهم لأعمال أربعة من أدباء مطروح هي :
1- عود ثقاب واحد مجموعة - قصصية لنجلاء سرى .
2- مقام سيدي الهزاز - مجموعة قصصية لهانى محمود
3- قصص رجل الزمن الجميل لسلامة إسماعيل
4- تأريخ لسيرة هامشى – مجموعة قصصية لحسن مشالى
نحاول من خلال الأعمال الأربعة رصد تجليات المكان بكل خصوصيته في مطروح.
وأخيرا كنت أتمنى ألا يقتصر المؤتمر على أدباء مطروح فقط وعلى أعمال أربعة منهم فقط، بل يشمل أيضا كل من صور مجتمع مطروح سواء كان مطروحي المولد والنشأة أو غير ذلك
كنت أود أيضا فسحة من الوقت لي ولزملائي وأعمال أخرى مع التي قمنا بدراستها
أشكر قصر ثقافة مطروح على عظيم ثقته ، وأشكر كل القائمين عليه ، وأتمنى لهم مزيدا من الخير .
هوامش البحث
[1]- شاكر النابلسي: مداد الصحراء، دراسة في أدب عبدالرحمن منيف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1993م، ص232 .
[2] - لؤي علي خليل : المكان في قصص وليد اخلاص، ص243 .
[3] - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي بيروت، الدار البيضاء، 1990م، ص33 .
[4] - حميد لحمداني: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، 1993م، ص72 .
[5] - لؤى علي خليل : المكان في قصص وليد إخلاص، عالم الفكر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ، المجلد الخامس والعشرون، العدد4، إبريل ، 1997، ص243 .
[6]- سيد حامد النساج: في الرومانسية والواقعية ، ص106 .
[7]- محمد نجيب القلاوي: وجهة نظر في رواية الأصوات العربية في مصر، مطبعة اكسبريس، المنيا ، 1996، ص38 .
[8] - عبدالحميد إبراهيم : القصة المصرية وصور المجتمع الحديث من أوائل القرن العشرين إلى قيام الحرب العالمية الثانية ، دار حراء ، المنيا ، 1986م، ص71 .
[9] - صفوت الخطيب : الأصول الروائية في رسالة الغفران، دار الهداية، القاهرة ، ط1، 1984م، ص13 .
[10] - سمر روحي الفيصل: بناء الرواية العربية، السورية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1995م، ص251 .
[11] - سيزا قاسم: بناء الرواية ، دار التنوتر، بيروت، 1985م، ص74 .
[12] - سيزا قاسم : بناء الرواية ، ص110 .
13 - طه حسين : نقد وإصلاح، دار ٍالعلم للملايين، بيروت، ط2، 1960، ص178 – 179 .
14 - صلاح عبد الحافظ : الزمان والمكان وأثرهما في حياة الشاعر الجاهلي وشعره؛ دراسة نقدية نصية،جـ1، ص5.
15 - صلاح عبد الحافظ : الزمان والمكان وأثرهما في حياة الشاعر الجاهلي، 1/ 93 – 95 .
(**) راجع في هذا الفصل المنهج التاريخي والتراث، وموقف ابن قتيبة، ص69 – 70 .
[16] - رفاعي يوسف عبدالحافظ : دلالة المكان في الرواية العربية في صعيد مصر، رسالة دكتوراه، آداب المنيا ، ص1998، ص10 .
[17] - حسن بحراوي: بنية الشل الروائي مرجع سابق، ص31 .
[18] - سمر روحي الفيصل : بناء الرواية العربية السورية ، مرجع سابق ، ص253 .
[19] - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي ، ص33 .
[20] - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي ، ص32.
[21] - حسن بحراوي: بنية الشكل الروائي ، ص32.
[22] - المرجع السابق : ص32 .
[23] - المرجع السابق : ص29 .
[24] - غالب هلسا : المكان في الرواية العربية ، دار ابن هانئ ، دمشق، 1989، ص8 – 9 .
[25]- سمر روحي الفيصل : بناء الرواية العربية السورية ، مرجع سابق ، ص261.
[26] - سبق وتكلمنا عن أثر البيئة في لغة الشاعر تشبيهاته
[27] - عز الدين إسماعيل: التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب القاهرة، 2005، ص47 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(2) أبعاد المكان فى مجموعة عود ثقاب واحد
للقاصة / نجلاء سرى
بقلم الدكتور / محمد عبد الحميد خليفة
لاشك أنَّ عصب أى عمل فنى يمثل أساسه ، أو قل بؤرته المضيئة ، التى تشع بجمالياتها على بقية أجزاء العمل ، وفى ذات الوقت فإن أجزاء العمل تنتهى بشكل أو بآخر إلى ذلك العصب المضئ تمتح منه جمالياته ، فى جدل متبادل يكسبه النص مذاقه الخاص ، ويضعه موضعه الصحيح وسط غيره من الأعمال . ولقد أخذت القصة تتقدم ، وتجر قاطرة الفنون الأدبية بوصفها جنساً متأبياً على الثبات والجمود ، قابلاً للتجدد المستمر ، مستوعباً كثيراً من المتغيرات والتقنيات الفنية الحديثة .
ولقد أخذ المكان – بوصفه مكوناً سردياً – اهتمام النقاد الذين لاحظوا ، بل أدركوا أن أدباء القرن العشرين أصبحت لهم حساسية جديدة بالمكان ، تخالف نظرة الأدباء الواقعيين التقليديين ، وهذا – وكما يؤكد الناقد الأوروبى البيرس – راجع إلى المتغيرات الجديدة التى فرضت نفسها على الحياة خلال القرن العشرين ، وبالتالى دفعت الأدباء إلى تغير نظرتهم لها " إن تغير طبيعة الإحساس بالحياة إذن هو الذى جعل أدباء القرن العشرين يغيرون أسلوبتعاملهم مع الواقع ، فلم يعد إحساسهم بالمكان يبعث فى أنفسهم الشعور بالإطمئنان لذلك تغيرت نظرتهم إليه "(1) .ولقد ظل اهتمام النقاد والفلاسفة بالمكان فى تزايد ، لدرجة أنَا وجدنا ميشيل بيتور يؤلف كتاباً عام 1968 ، بعنوان " عبقرية المكان " ، وهذه العبقرية تنسحب على المكان الروائى ؛ بل كثيراً ما يجسد العمل الروائى هذه العبقرية ، أو قل الجمالية ويعطيها أبعادها وملامحها المائزة " … فكأن للمكان ، حقاً ، عبقريته . وكأن عبقرية الأدب ، حقاً ، حيزه . فكأن الحيز إذن ، هو الذى يجسد عبقرية الأدب "(2) ، ولقد بات فى أدبيات الكتابة النقدية الروائية القول إن المكان أضحى بطلاً قائماً برأسه فى العمل ، بل مهيمناً ومحركاً الأحداث فيه " فلا يدخل المكان – لذلك – فى القصص بوصفه انتشاراً مجرداً للأحداث ولحركات الشخوص بل بوصفه بطلاً من الأبطال ، ومحوراً محركاً للشخوص والأحداث ، فلم يعد أحجاراً وتراباً وكومة غبار ، إنه الكائن الذى نألفه ، نحبه ، ندافع عنه ، ثم نشعر بالأسى لفقده "(3)، أولم يسهم المكان فى منح القيم أسماءها ، وكذلك فى منح البنى الاجتماعية هويتها ؟ ؛ إذ نستعير للقيم نعوتاً مكانية فنقول ( قيم شريفة ، أو قيم وضيعة ) ، كذلك للطبقات الاجتماعية فثمة طبقات ( عليا ، أو سفلى ) ، هذا على المستوى اللغوى والمعرفى العام . وعلى مستوى العمل القصصى بوصفه بنية فنية خاصة فإن المكان إلى جانب غيره من المكونات البنائية ؛ كالزمان والأحداث والشخوص فى ارتباط هذه العناصر جميعاً يعود ليؤكد أهميته فى بنية العمل ، إذ يشكل هذا الارتباط " البطانة الفنية للقصة "(4) . ولما كان المكانعنصراً غير محايد لدى الأدباء الجدد ، ولما كان ورود ذكر أمكنة ما فى رواية ما ليس من قبيل الإشارة العابرة ، حيث يكون فيها المكان عنصراً مسطحاً أملس ، فإن من الضرورى التأكيد أن ثمة علاقة بين عنصر المكان وغيره من العناصر الأخرى كالدلالة أو المعنى ؛فالعلاقة بين الدلالة ووصف الأمكنة ليست دائماً علاقة تبعية وخضوع " بل إن الاختلاف الموجود بين وصف الأمكنة فى رواية ما قد يسمح أحياناً بإقامة دراسة سيميولوجية فعلية . ولقد نبه رولاند بورنوف إلى القيمة الرمزية والأيديولوجية المتصلة بتجسيد المكان وإلى ضرورة دراسة هذا الجانب واعتباره وجهاً من وجوه دلالة المكان "(5) . على أن الإفراط فى وصف الأمكنة يضر بالعمل لاشك ، ويعمل على التوقف السردى(6)، خاصة إن كان غير خادم للنص ومجرد زينة لفظية ؛ فإنه فى هذه أيضاً يعد ضرباً من الحشو والإيهام بالواقعية(7).
غير أنه ينبغى الإشارة إلى أننا فى مقاربتنا لجماليات المكان بالقصة نتجاوز الجدل غير المجدى بين بعض النقاد فى تحديد أى المصطلحات أدق فى الدلالة على المكان : ( الحيز أم الفضاء أم المكان ) (8) . فمهما كانت دلالة كل مصطلح الخاصة دلالة مفارقة بعض الشئ لدلالة المصطلح الآخر ؛ فإن المكان يبقى أصل هذه المصطلحات وأقدمها وأكثرها انتشاراً واتساعاً ، والجدل فى استخدام مصطلح عن آخر جدل يدل فى النهاية على أن المكان يعد كياناً إشكالياً من حيث قابليته " لزحم المسافة الهائلة القائمة بين أصغر مساحة يتخيلها الإنسان وأقصى ما يمكن أن يكون عليه الكون العظيم : النقطة مكان ، والكون نفسه مكان ، وجميع ما يقع بينهما على خلاف اختلاف الحجم والمساحة أمكنة "(9) .
وتتعاظم إشكالية المكان حينما نعرف أنه مفهوم – رغم بساطته فى الظاهر ، وغموضه وعمقه – يعد بؤرة تتقاطع عندها معارف متباينة من لغة ، وفلسفة ، ورياضيات ، وعلم نفس وجغرافيا ، واقتصاد ، بل وأنثربولوجيا وسوسيولوجيا دون إغفال الفن والعمارة وعلم الجمال ، هكذا غدت مقولة المكان " من الخطورة ما يجعلها موضوعة تتشعب إلى رؤى ذات طبيعة ميتافيزيقية بعدما كانت تدرك فقط فى الحدود الجغرافية والاجتماعية والنفسية . ذلك أن المكان فى صلته بالذات المبدعة والمتلقية ، يتخذ من الصفات المتشابكة ما يجعله من المقولات الأكثر تعقيداً على مستوى المعنى والمبنى . وأن فك هذه العلاقات يقتضى من الدرس التحليلى أن يسترفد سائر المعارف التى أنتجتها العلوم الإنسانية لفك ألغازه "(10)، لذلك كله ، ولما أشرنا إليه من الحساسية الجديدة لأدباء القرن العشرين تجاه المكان ، فقد أصبح المكان " يمثل إحدى علامات الرواية الحديثة "(11) ، بوصفه عنصراً غير زائد فى القصة الحديثة " بل هو متحكم فى الوظيفة الرمزية والحكائية ويتضمن معانى عديدة فى العمل القصصى ويدخل فى علاقات متعددة مع المكونات الحكائية كالسرد والشخصيات والأحداث "(12) . فالخلاصة أن المكان أصبح معادلاً للحياة ، وفى ذلك يقول جورج بيرك " أن تحيا هو أن تعبر من فضاء إلى آخر محاولاً أقصى مايمكن ألا تتعثر " (13) .
والاهتمام بالمكان فى القصة وإن كان فى العقود الأخيرة قد أخذ حساسية جديدة فإنه فيما قبل ذلك بزمان قد استحوذ على أذهان القصصيين الواقعيين التقليديين ، فلم يكن أحدهم ليكتب قصة إلا وكان المكان يأخذ نصيباً وافراً كخلفيات وأطر للأحداث لدرجة التزيد أو الزينة اللفظية ، ولعل بلزاك كان واحداً من أولئك اللذين لم يستطيعوا أن يفكروا فى شخوص أعمالهم بمعزل عن البيوت التى يقطنونها " فتخيل مخلوق بشرى بالنسبة لبلزاك إنما يعنى تخيل المقاطعة ، المدينة ، أو ركن المدينة أو البناية التى عند منعطف الشارع ، بعض الغرف المفروشة ثم أخيراً الرجل أو المرأة التى تعيش فيها " (14).
إن ارتباط عنصرى الزمان والمكان معاً فى النص الأدبى ارتباط له دلالته ، وله طبيعته الخاصة يصعب خلخلة أحدهما عن الآخر ، على عكس الفنون الأخرى حيث يسهل العثور على عنصر الزمان فى فن الموسيقى مثلاً ، وكذا يسر العثور على عنصرالمكان فى التصوير(15) ، ثم إن هذين العنصرين لهما فى النص الروائى خصوصيتهما وذلك بوصفهما ركيزتى " الإدراك العقلانى "(16) ، فالعلاقة بينهما علاقة ارتباطية لا يمكن تصور أحد طرفيها بمعزل عن الآخر ، فالمكان عند أحدهم " جسد للزمان "(17) ، وبتعبير آخر إن الزمان مغروس(18) فى المكان . ولقد استقر الحديث عن بنية مكانية رباعية تشمل الطول والعرض والارتفاع والزمن ، وذلك بسبب اعتبار بعضهم الزمان مكاناً مترياً رياضياً أحادى البعد ، وذلك لأن " الزمان يشارك المكان خصائصه الطبوغرافية من مثل : التواصل ، والاتجاه ، والاتصال ، ولأنه يمكن تعريف المسافة بين نقطتين – من حيث الوقت – بأنها المدة بين حدثين "(19) .
وبالجملة فإن المكان فى السرد – رغم سطوته – محتاج إلى الزمان ليضئ دلالاته المتعددة " ويوضح أهميته وضروريته البنائية مما يحيى المكان ويشخصه ويمنحه خصوصيته وتفرده عن غيره من الأمكنة "(20)
- وعندما يلتحم المكان بعنصر آخر من عناصر السرد كالشخوص مثلاً ، يعود لتتجلى زاوية أخرى من جمالياته ، إذ لاشك أن المكان ذو ارتباط وثيق بالشخوص التى تتحرك فى فضائه الروائى ، ناهيك أن الشخوص ذاتها سواء أكانت محورية أم ثانوية تعد بشكل أو بآخر فضاءً ؛ ذلك لأن الشخصية ذات بعد جسمانى تتخذ حيزاً بما تحمله من ملامح جسدية معينة ، " إن " التلاقى " و " الانفصال " و " الاتصال " و " الحدود " و " المسافات " و " البُعد " و " القرب " كل مواقع القياسهاته ، التى تحدد حجم ما يفصل بين الشخصيات وبين الكون الذى يحتوى الأشياء ، تنطلق من جسد يشكل نقطة البدء ونقطة النهاية لمسار سردى ما ، أو مرتكزاً للحظات تأمل وصفى "(21) ، فالجسد عموماً وفى النص الروائى خاصة " تعبير عن حضور الذات فى العالم وارتباطها به وإدراكها له "(22).
* * *
وبالنظر إلى أولى المجموعتين اللتين نحاول – فى ضوء ماسبق – أن نتعرف على أبعاد المكان فيها وكيف كان له دور أسهم فى إشاعة الجمالية على السرد القصصى ، فإنه يمكننا القول : إن مجموعة " عود ثقاب واحد " للقاصة ( نجلاء سرى ) التى ضمت ثلاثاُ وعشرين قصة قصيرة إنما تعالج فى الأساس قضايا إنسانية عامة منها ما يتصل بمواقف من الحياة اليومية أعادت الكاتبة إحالتها إلى مواقف فنية لتبرز من خلالها جملة من مشاعر الإنسان التى ينالها التغير ، أو التى تتحكم فيه منذ صغره وتوجه سلو كه سواء أكان على وعى بها فى نفسه أم جاهلاً بها . والمكان أو قل ( الفضاء المكانى ) فى هذه المجموعة يأخذ صوراً مختلفة على النحو الذى أشرنا إليه عالياً ؛ فهى أمكنة وفضاءات تعد مسرحاً لأحداث القصة وحركة الشخوص بها ، أو تأخذ الأمكنة صوراً أخرى غير صريحة الدلالة المكانية التى تبرق فى ذهن السامع لأول وهلة .
والمطالع لعناوين القصص يراها تلفت إلى أنواع ثلاثة من الفضاءات ، فمنها ما يشير إلى الفضاء المكانى صراحة كما فى " الترام ، صالة الانتظار ، المطعم ، المسجد " ، ومنها قصص أخذت عناوين ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بأمكنة ما ، كما فى قصة "الامتحان " التى تلفت إلى المدرسة ، ذلك الموضع الذى كان مسرحاً له ، وقصة " الحكة " التى تلفت إلى الجسد ، ذلك المكان الذى طالما عانى من اشتعال الحكة المزمنة بأجزائه ، وقصة " المسافر " التى عكست فضاءً مكانياً يشمل القطار وشباك الحجز وما يكون بتلك اللوحة المكانية من تفاصيل المكان . غير أن النوع الثالث من الأمكنة وهو ما حاولنا الإشارة إليه آنفاً وهو النظر إلى ( الأشياء ) بوصفها مكاناً فى ذاته ، وما ينفرع عن هذه الأشياء من أدوات صغرت أم كبرت أو حتى خطوطاً على الورق لأنها جميعاً تشغل حيزاً وتؤسس بنية الحكاية فى القصة ؛ كقصص : " القميص والبنطلون ، الصابونة ، عود ثقاب واحد ، التى اتخذته عنواناً للمجموعة ككل ، اللعاب ، قوالب طوب ، الخط المستقيم ، المقص ، الخانة رقم ثلاثة " .
وجملة هذه الأشياء ( الأمكنة ) وإن كانت تبدو عادية إلا أنها استحالت – بوصفها أمكنة – إلى محركات فنية ملقية ظلالاً من الجمالية على القصص التى حملت عناوينها .
وإذا استعرضنا فى ضوء ذلك قصص المجموعة وضح لنا دور المكان الفاعل فى تأكيد إحساس بذاته أو فكرة كان له ( أى المكان ) الدور الأكبر فى بثه لدى القراء ، وعلى سبيل التفصيل فيمكننا عرض الآتى :-
- ففى قصة " الامتحان " رأينا ما للمكان من قدرة على تصوير حالة الشرود ، كما رأينا صورة للعلاقة الوثيقة بين المكان والزمان ، ألم نقل إن المكان قضبان تسير عليها عجلات الزمان . وفى قصة " المباراة " رأينا تجسيد المكان لحالتين نفسيتين متعارضتين من الرفض والألفة ، ولقد أشرنا إلى المكان الأليف ( الحميمى ) الذى يظل عالقاً بذكريات الإنسان وحياته . وفى قصة " مساحيق التجميل " رأينا المساحيق مكاناً أو قل قناعاً يختبئ وراءه الإنسان لأجل انتزاع الإبتسامة والفرحة من النفوس الحائرة . وفى قصة " الترام " رأينا المكان فضاءً مفتوحاً يبحث الإنسان فيه عن ذلك المجهول ( ذات الرداء الأبيض الفضفاض ) التى قد تكون المحبوبة أو الفكرة أو الهاجس أو الأمل . وفى قصيدة " الثريا " التى اتخذ فيها المكان ( الثريا ) رمزية النور الذى يظل يبحث عنه الإنسان فى حياته المظلمة . وفى قصة " القميص والبنطلون " قد كان القميص والبنطلون شيئاً أو قل مكاناً أخذ بعداً رمزياً فى حتمية الأخذ بالجديد والتخلص من القديم لتدور عجلة الحياة . وفى قصة " الصابونة " التى جسدت اللهاث ، والتفلت اللذين يوريثان الإحباط . أما فى قصة " عود ثقاب واحد " حيث علا البعد الرمزى للعود بوصفه شيئاً ومكاناً عزيز المنال يجسد اشتعال التوحد أو اشتعال الإرادة الإنسانية للوحدة الذى غالباً ما يكون فرصة واحدة لا تتكرر ، فبه نرى الأمل يبدد ظلام القهر والجهل بالتوحد والإرادة ضد شبكة الهيمنة . وفى قصة " اللعاب " الذى أخذ بعداً رمزياً ، فكان رمز الخواء الفكرى الظاهر على العبارات الزائفة ، كما جسد لوناً من ألوان ممارسة الإنسان للكذب على نفسه هرباً من الحقيقة الحية ونكراناً لها ، ولذا جسد المفارقة الضدية بين عالمين : البراءة فى مقابل عالم الزيف . وفى قصة " الحكة " تستمر الدلالة الرمزية للمكان حينما يجسد الجسد الذى يعانى من الحكة المزمنة لوناً من ألوان عزلة الإنسان وفرديته . وفى قصة " قوالب طوب " ظهرت قوالب الطوب مكاناً أو قل جسراً يفتعله الإنسان لبلوغه الحرية وتحقيق الانعتاق من كل أشكال القيد والأسر ، وهو فى ذات الوقت يضحى وسيلة مشروعة للتمرد على الواقع ومجابهة ألفة العادة . وفى قصة " الخط المستقيم " استحال ذلك الخط المرسوم فى ذهن البطل تجسيداً لرحلة التيه والحيرة من أجل الاهتداء إلى الطريق الصحيح . وفى قصة " صالة الانتظار " – وهى تتفق فى مضمونها الرمزى مع قصة " عود ثقاب واحد " – فاستحال المكان وكذا باب الحجرة ذا بعدين رمزيين ، فالصالة تتسع لتشمل كل فضاءات العالم المكانية التى ينتظر فيها الإنسان ويتحين الفرصة لكسر باب الجهل والظلم ليعبر إلى فضاء آخر أكثر صحة ونوراً . أما فى قصة " أخى " فيعود المكان مرة أخرى ليجسد المفارقة الكبرى القائمة على الضدية : إتساع المكان وفخامته فى شقة الأخ الفخمة فى مقابل ضيق النفس وخرابها ، كما ترتفع المفارقة فتجسد الصراع بين الأصالة والقيم الجديدة بطعم الغربة . وفى قصة " المطعم " تبدو مائدة الطعام المستديرة مكاناً مفتوحاً غير محدد النهاية يظل الإنسان حوله دائراً فى انتظار المجهول الذى لا يأتى . وفى قصة " اللوحة " يتجلى البعد الفكرى للمكان ، إذ يعد المكان ، اللوحة رمزاً لاستحالة تغيير الواقع لدى بعض النفوس ، إذ عندهم ليس فى الإمكان أبدع مما كان . وفى قصة " المقص" يتجلى المقص ( المكان ) رمزاً دالاً بحدة على البطل ، الفارس ، المخَلِّص ، المحرر ، المنتَظَر لأجل الخلاص من مشنقة الحياة الخانقة ، وهذا المخلص المنتظر تحاول قصة " الخانة رقم ثلاثة " أيضاً تجسيده . وفى قصة " الإغاثة " أخذت ( الرسالة ) بوصفها شيئاً ذا بعد مكانى رمزى تؤكد أن الناس يصنعون مصائرهم بأيديهم طالما أن الخوف متغلغل فى
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ